جلال الدين الرومي
29
فيه ما فيه
المستقبلية لكي تنكر وتقول إن ما من شئ خلاف ما أوجد ، هو أستاذ يظهر صنعته وفضله لكي يعتقد به من صنعيهم ويفضلوه ويؤمنوا به ، شأن ملك يخلع على الناس ويصلهم ويكرمهم وذلك بهدف أن يتوقعوا من فضله إنعاما آخر ويحيكوا أكياسهم أملا في عطائه ، ولم يكرمهم لكي يقولوا ليس بعد عطائه عطاء ولن يروا منه أكراما آخر ثم يقتصرون على ما أعطاه . إن الملك لو علم فيهم تحولهم وعلمهم هذا ما تفضل عليهم بإكرام . والزاهد هو من يرى الآخرة وأهل الدنيا هم من يرون حظيرة الدنيا أما من هم الأخصّ منهم وهم العارفون ؛ فهم لا يرون الآخرة ولا الدنيا إنما وقع نظرهم على الأول وأدركوا مبدأ كل أمر كشأن عالم يغرس بذره القمح ، ويعلم أنه سوف تنبت قمحا . أدرك الآخر من الأول ، كمثل الشعير والأرز وغيرهما ؛ لأنه رأى بدايتها فلا ينظر إلى نهايتا . علم النهاية من البداية ، هؤلاء العارفون نادرون أما المتوسطون فهم الذين يرون النهاية ومن هم في حظيرة الدنيا ما هم إلا أنعام . إنه الألم الذي يرشد الإنسان وكل فعل وشأن ليس للإنسان ألم وهوس وعشق يشده إليه وينبعث من داخله نحوه فلن يقصد إلى إنجازه ، ولن يتيسر له هذا الأمر بدون ألم سواء كان أمرا دنيويّا أو أخرويّا أو تجارة أو ملكا أو علما أو فلكا وغيرها . إذا لم تشعر مريم بآلام المخاض ما قصدت تلك النخلة ( فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ) . قد ساقها ما بها من الأم إلى تلك النخلة وأثمرت النخلة اليابسة ، جذعها كجسم مريم . وكلّ منّا له عيسى ، إذا لم تبد فينا الآلام فلن يولد لنا عيسى . وإذا لم نشعر بالألم فسوف نحرم ونقفز من عيسى الذي أتى من ذاك الطريق الخفي وعاد إلى أصله ولحق به .